ابن ميثم البحراني
79
شرح نهج البلاغة
الجور بعد الكور أي من نقصان الإيمان بعد زيادته وراجع عليّا عليه السّلام في ذلك فقال له نحوت أن أضع للناس ميزانا يقومون به ألسنتهم فقال له عليه السّلام أنح نحوه وأرشده إلى كيفيّة ذلك الوضع وعلَّمه إيّاه ، وأمّا علماء الصوفيّة وأرباب العرفان فنسبتهم إليه في تصفية الباطن وكيفيّة السلوك إلى اللَّه تعالى ظاهرة الانتهاء ، وأمّا علماء الشجاعة والممارسون إيّاه للأسلحة والحروب وفهم أيضا ينتسبون إليه في علم ذلك فثبت بذلك أنّه كان أستاذ الخلق وهاديهم إلى طريق الحقّ بعد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله ومناقبه وفضائله أكثر من أن تحصى وباللَّه التوفيق . الفصل الثاني في بيان فضائله النفسانيّة وهي إمّا أن يعتبر بالنسبة إلى قوّته النظريّة وإلى قوّته العلميّة فإذن هاهنا بحثان . البحث الأوّل في أنّه عليه السّلام كان مستجمعا لكمال قوّته النظريّة قد علمت أنّ كمال القوّة النظريّة إنّما هو باستكمال الحكمة النظريّة وهي استكمال النفس الإنسانيّة بتصوّر المعارف الحقيقية والتصديق بالحقائق النظريّة بقدر الطاقة البشريّة ولا شكّ أنّ هذه الدرجة كانت ثابتة له عليه السّلام وبيان ذلك ببيان أنّه عليه السّلام كان سيّد العارفين بعد سيّد المرسلين صلى اللَّه عليه وآله وأنّه كان متسّنما لدرجة الوصول ، وتحقيق ذلك أنّه قد ثبت في علم كيفيّة السلوك أنّ وصول العارف إنّما يحقّ إذا غاب عن نفسه فلحظ جناب الحقّ من حيث إنّه هو فقط وإن لحظ نفسه فمن حيث هي لاحظ لا من حيث هي متزيّنة بزينة الحقّ ثمّ إنّه قد وجد في كلامه وإشاراته ما يستلزم حصول هذه المرتبة له ، ولنذكر منها مواضع ثلاثة ، الأوّل قوله عليه السّلام لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا ، وقد عرفت أنّ ذلك إشارة إلى أنّ الكمالات النفسانية المتعلَّقة بالقوّة النظرية قد حصلت له بالفعل وذلك يستلزم تحقق الوصول التام الَّذي ليس في قوّة الأولياء نيله ، الثاني قوله عليه السّلام حكاية عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله في حقّه إنّك تسمع ما أسمع وترى ما أرى إلا أنّك لست نبيّ ولا إشكال في أنّ النبيّ صلى اللَّه عليه وآله كان له الإتّصال التامّ بالحقّ تعالى فكان هذا الاتّصال والوصول حاصلا لعليّ عليه السّلام بمقتضي شهادة الرسول وإن كان التفاوت بين المرتبتين قائما لأنّ للإتّصال بالجناب الأقدس درجات لا تتناهى ولذلك قال إلا أنّك لست بنبيّ ، وستعلم من تفاصيل كلامه عند الانتهاء إ هذه